بقلم محمد ياسر بليامنة
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تطرح الحملات الانتخابية نفسها مرة أخرى كمرآة تعكس جزءا من واقع الممارسة السياسية في بلدنا. وبينما يفترض أن تكون الانتخابات مناسبة لعرض البرامج ومناقشة الحلول وتقديم الكفاءات، تبدو الصورة في كثير من الأحيان أكثر تعقيدا، حيث تختلط البرامج بالوعود، والسياسة بالعاطفة، والتواصل السياسي بأساليب يصعب أحيانا فهم منطلقاتها وأهدافها.
المسألة هنا ليست في مهاجمة الأحزاب أو التشكيك في نوايا المرشحين، بقدر ما هي محاولة لطرح سؤال بسصبحت الانتخابات فعلا تنافسا بين البرامج والكفاءات، أم أن عوامل أخرى بدأت تلعب دورا أكبر في تحديد شكل المنافسة؟
في المشهد الانتخابي، يمكن أن نجد مرشحين يمتلكون حضورا اجتماعيا واسعا، وآخرين لديهم إمكانيات مالية مهمة، فيما يدخل البعض المنافسة اعتمادا على شهرة اكتسبوها في مجالات أخرى، خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه المعطيات في حد ذاتها ليست مشكلة، لكنها تصبح مثيرة للنقاش عندما تتراجع الكفاءة السياسية، والخبرة، والقدرة على تقديم مشروع واضح، إلى مراتب ثانوية.
وفي المقابل، تبدو الحملات الانتخابية في بعض الديمقراطيات الراسخة أكثر تنظيما، حيث لا تقتصر العملية على المرشح وحده، بل تشارك فيها فرق متخصصة في التواصل، وتحليل البيانات، والتخطيط الميداني، والعمل التطوعي، ودراسة احتياجات الناخبين. يصبح الحزب في هذه الحالة أشبه بمنظومة متكاملة، هدفها الأساسي إيصال البرنامج إلى المواطن بطريقة واضحة ومقنعة.
الفكرة ليست أن ننسخ تجارب دول أخرى، فلكل مجتمع سياقه السياسي والاجتماعي، وإنما أن نسأل: كيف يمكن أن نجعل المواطن محور العملية الانتخابية؟
فالمواطن ليس مجرد رقم يضاف إلى صندوق الاقتراع، ولا مجرد فرد يمكن استمالته بشعارات عاطفية أو وعود يصعب تحقيقها. إنه الطرف الذي يفترض أن تكون السياسات العمومية موجهة إليه، ولذلك يستحق أن يسمع برامج واضحة، وأرقاما قابلة للنقاش، وحلولا واقعية، وأن يعرف ماذا يستطيع المرشح أن يفعل فعلا إذا وصل إلى البرلمان.
وعندما تكون البرامج غير قادرة على الوصول إلى المواطن، قد تتحول الحملة تدريجيا من منافسة سياسية إلى منافسة في القدرة على التأثير. وهنا تظهر أهمية الوعي السياسي، ليس فقط لدى المرشح والحزب، وإنما لدى الناخب أيضا.
فالفقر، والبطالة، وضعف التعليم، والهشاشة الاجتماعية ليست مجرد خلفيات انتخابية، بل قضايا حقيقية تحتاج إلى سياسات طويلة النفس. لذلك فإن مخاطبة المواطن في ظروف اجتماعية صعبة تتطلب قدرا أكبر من المسؤولية، لأن الحاجة الاقتصادية والاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإضعاف قدرته على الاختيار الحر.
الانتخابات في جوهرها ليست مجرد موسم للملصقات والتجمعات والشعارات. إنها لحظة يفترض أن يلتقي فيها المواطن بالمشروع السياسي، وأن يقارن بين الرؤى والبرامج والكفاءات، قبل أن يمنح صوته لمن يراه قادرا على تمثيله.
ولهذا، فإن تطوير الممارسة الانتخابية لا يبدأ فقط من الأحزاب والمرشحين، بل أيضا من المواطن نفسه: من قدرته على السؤال، والمقارنة، ومناقشة البرامج، ورفض التعامل مع صوته باعتباره مجرد مقابل لخدمة أو وعد أو لحظة عاطفية.
ربما يكون التحدي الحقيقي أمام الانتخابات المقبلة هو الانتقال من من يستطيع جمع أكبر عدد من الأصوات إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع إقناع المواطن بأنه يملك مشروعا يستحق أن يُناقش ويُحاسب عليه؟
عندها فقط يمكن أن تصبح المنافسة الانتخابية مساحة حقيقية للأفكار، لا مجرد سباق للوصول إلى صناديق الاقتراع.

