بقلم ياسين اللغميش
مع كل دخول مدرسي جديد، تعود إلى الواجهة واحدة من الإشكالات التي أصبحت تؤرق عدداً من الأسر المغربية: توفير الكتب المدرسية في الوقت المناسب وبالشكل الذي يضمن انطلاقة عادية للدراسة .
فبينما ينتظر التلميذ بداية الموسم الدراسي بحماس، يجد بعض الآباء والأمهات أنفسهم أمام رحلة بحث بين المكتبات ونقط البيع عن كتب مدرسية قد تكون متوفرة في محل، وغير متوفرة في محل آخر، أو متوفرة بكميات محدودة، بينما يضطر البعض إلى التنقل بين مناطق مختلفة لاستكمال لائحة الكتب المطلوبة.
المشكل هنا لا يتعلق فقط بوجود الكتاب من عدمه، وإنما يرتبط أساساً بكيفية تنظيم عملية التوزيع وتدبير مسار الكتاب المدرسي من الناشر إلى الموزع ثم إلى المكتبة أو نقطة البيع وصولاً إلى الأسرة .
فالكتاب المدرسي ليس منتجاً عادياً يمكن تأجيل اقتنائه إلى وقت لاحق؛ إنه أداة أساسية للعملية التعليمية. وعندما يتأخر وصول بعض المقررات أو لا تكون متاحة بشكل متوازن في مختلف المناطق، فإن المتضرر الأول هو التلميذ، ثم الأسرة، ثم المدرسة التي تجد نفسها أمام تلاميذ لا يتوفرون على جميع الكتب المطلوبة.
من يتحمل مسؤولية الخلل؟
ليس الهدف من طرح هذا الموضوع البحث عن طرف لتحميله المسؤولية، بقدر ما هو محاولة لطرح سؤال مهني ومؤسساتي: هل أصبح قطاع توزيع الكتاب المدرسي في حاجة إلى تنظيم أكثر دقة وتنسيق أكبر بين مختلف المتدخلين؟
إن وجود ناشرين وموزعين ومكتبات ونقط بيع متعددة أمر طبيعي، بل هو جزء من دينامية سوق الكتاب. لكن هذه الدينامية تحتاج إلى آليات للتنسيق والتخطيط، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتج يرتبط بمواعيد محددة وبحاجيات ملايين التلاميذ والأسر.
ومن بين الإشكالات التي تستحق النقاش: ضعف التنسيق بين حلقات سلسلة التوزيع، تفاوت توفر العناوين بين المناطق، صعوبة معرفة حجم الطلب الحقيقي مسبقاً، إضافة إلى غياب آلية مهنية موحدة تساعد على توقع الخصاص والتدخل قبل حدوثه.
لماذا لا نفكر في اتحاد مهني لموزعي الكتاب المدرسي؟
من الحلول التي يمكن فتح النقاش حولها إنشاء اتحاد أو إطار مهني وطني لموزعي الكتاب المدرسي يضم مختلف الفاعلين في مجال التوزيع، ويعمل على تنظيم العلاقة المهنية بينهم وبين الناشرين والمكتبات وباقي المتدخلين.
ولا ينبغي أن يكون هذا الاتحاد مجرد إطار تمثيلي، بل يمكن أن يتحول إلى آلية عملية لضبط القطاع وتطويره، من خلال المساهمة في:
* وضع خريطة وطنية لتوزيع الكتاب المدرسي.
* رصد حجم الطلب المتوقع قبل بداية الموسم الدراسي.
* تتبع المخزون وتحديد المناطق التي تعرف خصاصاً.
* تنسيق عمليات التوزيع بين مختلف الجهات.
* تطوير نظام رقمي يسمح بتتبع توفر الكتب والعناوين.
* اقتراح معايير مهنية واضحة للموزعين.
* تعزيز التواصل بين الناشرين والموزعين والمكتبات.
* التدخل المبكر لمعالجة أي نقص قبل أن يتحول إلى أزمة بالنسبة للأسر.
مثل هذا الإطار يمكن أن يشكل أيضاً فضاءً للحوار مع المؤسسات العمومية والمهنيين، بما يساعد على بناء رؤية مشتركة حول مستقبل سوق الكتاب المدرسي.
الكتاب المدرسي مسؤولية جماعية
إن ضمان وصول الكتاب المدرسي إلى التلميذ في الوقت المناسب ليس مسؤولية الناشر وحده، ولا الموزع وحده، ولا المكتبي وحده. إنها سلسلة متكاملة ، وأي خلل في إحدى حلقاتها يمكن أن ينعكس مباشرة على الأسرة وعلى المدرسة.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط زيادة عدد الكتب المطبوعة، وإنما التفكير في منظومة توزيع أكثر ذكاءً وتنظيماً وشفافية .
كما أن التحول الرقمي يمكن أن يقدم حلولاً مهمة في هذا المجال، من خلال إنشاء منصات مهنية تمكن من معرفة الكتب المتوفرة، والكميات الموجودة، والمناطق التي تعرف طلباً مرتفعاً، بما يسمح بإعادة توجيه المخزون قبل وقوع الخصاص.
نحو موسم دراسي بلا “رحلة البحث عن الكتاب”
من غير الطبيعي أن تتحول لائحة الكتب المدرسية إلى رحلة شاقة للأسرة، وأن يضطر الأب أو الأم إلى زيارة عدة مكتبات بحثاً عن كتاب أو كتابين لاستكمال المقررات المطلوبة.
والأهم من ذلك أن يبدأ التلميذ سنته الدراسية وهو ينتظر وصول بعض الكتب التي يحتاجها في دروسه.
لذلك، فإن النقاش حول توزيع الكتاب المدرسي ينبغي أن ينتقل من معالجة المشاكل بعد وقوعها إلى التخطيط المسبق والاستباقي .
إن إنشاء اتحاد مهني لموزعي الكتاب المدرسي، إلى جانب تطوير أدوات رقمية للتتبع والتنسيق، يمكن أن يكون خطوة ضمن مسار أوسع نحو تنظيم هذا القطاع، بما يخدم الناشر والموزع والمكتبي، وقبل ذلك كله التلميذ والأسرة المغربية .
فالكتاب المدرسي لا ينبغي أن يكون الحلقة المفقودة في بداية الموسم الدراسي، بل يجب أن يكون حاضراً منذ اليوم الأول، باعتباره أحد الأسس التي تقوم عليها العملية التعليمية.
إن تنظيم توزيع الكتاب المدرسي ليس شأناً تجارياً فقط؛ بل هو جزء من تنظيم منظومة التعليم نفسها.

